صحيفة صدى الاحداث السودانية


المقالات
مقالات حرة
لقد أسرفنا علي أنفسنا... فماذا حدث ؟
لقد أسرفنا علي أنفسنا... فماذا حدث ؟
منذ 4 أسبوع 09:39

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أسرفنا علي أنفسنا... فماذا حدث ؟
قبل سبع سنوات وفي مثل هذا الشهر ، نشرت مقالا بعنوان " لعلاج العنصرية...آفة السودان الكبري" حاولت فيه تشخيص داء العنصرية في السودان وإستهللت المقال بجملة (لم يقوض صرح السودان ولم ينفرط عقده الا بسبب العنصرية) وقدمت في نهاية المقال مقترحا في شكل علاج يمكن أن يتولاه أهل العلم والفضل وكتاب الرأي وآآئمة المساجد ، بأن يقوموا وبمبادرات فردية وجماعية منهم ، بعقد ندوات ودروس وحلق وكتابات ، كل حسب أدواته المتاحة ( داخل المساجد وفي المدارس والمعاهد والجامعات ومواقع النشر بأنواعها) لتبيان وشرح وتثبيت الحسنات من باب العمل الصالح وذم ونبذ السيئات وتبيان أثرها المدمر علي الفرد وعلي المجتمع من منظوري الأخلاق والدين. أن نعيش علي هذه الأرض عبادا لله إخوانا- وهذا من الحسنات وأن ننبذ العنصرية ونستهجنها ويُجرم عليها بإعتبارها من السيئات.
ولكن..!! يبدو أن العنصرية المسيطرة علي الحكم ، كانت أقوي ببطشها وتهورها وإتباعها للهوي متكئة علي الإستعلاء النوعي وليس علي الدستور ولا للقانون، ومعروف سادتي أن إتباع الهوي هو المدخل الرئيس للضلال ، لذلك ، سنت التشريعات ووضعت القواعد كي لا يتغول الحكام علي الناس ويصبحو مثل " فرعون"، ولعل أقرب مثال علي ذلك قول المولي تبارك وتعالي للنبي داؤود "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)سورة ص.
علي ضوء هذه الآية الكريمة ، كلنا يعلم ماذا فعلت حكومة " الهوي"هذه بالناس وبالبلاد ولا داعي لسرد المآسي والتكرار.
من مظاهر حكم " الهوي" أن تيار الفساد المتنامي ، بكل أشكاله ، قد دخل علي الخط وبأقبح صوره ، صاحبه غلاء مستعر ، طال كل مناحي الحياة من غذاء وكساء وصحة وتعليم وإتضح أن الدولا هو الحاكم الفعلي للبلاد ، فقد زاد سعر ربطة الجرجير وحزمة الخُضرة وكشرت البقوليات المستوردة والتي كانت تنتج محليا عن أنيابها وإتضح أن الثوم ،"الواحد ده" يُستورد من الصين والسمك ، لا أدري من أين يستوردونه وكأن أنهارنا قد عقم سمكها وفي المقابل ، قوضت المشاريع الزراعية والصناعية وكأنما كان المقصود وأد الانتاج المحلي لحساب الإستيراد وتحويل المواطن من منتج فعال إلي مستهلك متحكم به.
افتي في هذه المحنة علمائنا الأجلاء ومعهم سياسيو " التمكين" ، بأننا نمر بمرحلة " إبتلاء" إلا أن جهابذة إقتصادنا وولاة ماليتنا من أصحاب التمكين أيضا أوعزوا هذا الأمر بمنتهي " العلمية " فقالوا ، أن كل تلك المآسي وهذا الغلاء سببه إحتكار الدولار والتلاعب به في السوق الأسود ولم يذكروا لنا ، لا من قريب ولا من بعيد ، أن الحكومة ، بمسمياتها الدستورية والتنفيذية وأهمها ... التجارية هي المحتكر الأول للدولار ، تعبث به كيفما تشاء ، إما للإستحواذ الشخصي ، أو للصرف البذخي في المناسبات وغير المناسبات أو لأغراض تجارية (أغلب السلع المستوردة فرز ثالث ).
نعم ... لقد دخل الدولار المشهد "كبطل" لأول مرة ، من زمن المرحوم " مجدي محجوب" والذي أعدم بسببه ، إلا أنه ما لبث أن تحول نفس الدولار من متهم بالحيازة إلي " جوكر" وبطل قومي في جدول" التمكين" بينما محمد أحمد المسكين وإخوته لا حول لهم ولا قوة ، فهم ، ربما لم يروه أو يتعاملوا به في حياتهم ولا يهمهم أمره، ولكن ما يهم هو أنه لهم نصيب مستحق في هذا البلد يحفظه له أناس يخافون الله في أنفسهم وفيهم ، ومن سذاجتهم ، ربما لا يعلمون ، حتي الساعة ، أن مثل هؤلاء الأبرار وللأسف ، قد إختفوا وحل محلهم ناس " التمكين" و" بدلاء" الصوفية وأن نصيبهم قد أُكلوه ولا زالوا يأكلونه في بطونهم وأنهم ، من شدة القهر ، قد أصبحوا خُداما طائعين للأسياد، الذين طغوا في البلاد ... فأكثروا فيها الفساد !!.
إذن ، علي مدار السبع سنوات وما قبلها وإلي الآن ، أضيفت إلي آفة العنصرية عناصر آخري جديدة منها ، الغفلة ، المصحوبة بحالة من التبلد والتوهان الملحوظ في الضمير الجمعي الذي يفترض أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويصلح نفسه ومجتمعه ولم يعد التمثل بـعملتنا المسكينة"إذهبوا بورقكم هذه الي المدينة" يشتري شيئا إلا بعد معادلته بالدولار ، وإلي اللحظة !!.. يظل " سعادتو" هو الغالب إلي أن يقضي الله بأمره.
نحن في ورطة كبيرة لأننا بتنا نعيش في زمن ، أصبح الموت فيه أرحم من كل شر، فالسلع والخدمات ، كالدواء والعلاج ، ناهيك عن الغذاء ، قد أصبحت بعيدة المنال بالنسبة لذوي الدخل المحدود بسبب ضيق ذات اليد في مقابل زيادة مجنونة وغير مبررة في الأسعار تزداد بإضطراد يوما بعد يوم والحكومة ، تحاول من هنا وهناك إيجاد معالجات إنصرافية وهي تعلم تماما أن أولي المعالجات يبدأ ببتر الفساد من جذوره ولكنها ، للأسف لا تستطيع إذ ، من شدة الخوف من المصير المحتوم تتعامي وتتغابي ، لأنها إن فعلت ذلك بكل صدق وتجرد( وهو غير وارد) ، لن يكون هناك لا رئيس ولا حكومة!!.
إن بلادنا ومنذ الإستقلال تدار بمعادلات عقيمة ، ناقصة ، أساسها حزب (واحد) يهيمن علي كل شئ ويجعل من الأحزاب الأخري من خلال اللعبة الميكانيكية (أصفارا)علي الشمال ، ولكن تجاربنا من خلال حكوماتنا المتعاقبة ، اثبتت أن هذا ( الصفر) سواء أجاء بالإنتخاب او بالتراضي أو بالإقتلاع يمكن أن يتحول إلي "واحد" صحيح بأصفار علي الشمال مكررا بذلك نفس المعادلة الناقصة وربما بوجوه من نفس العرق المتشيث بالهوية الإستعلائية!!.
راي الشخصي ، أننا ، كشعب وكوطن وكافراد نبحث عن دور لنا في هذا الكون ندور في حلقة مفرغة ونحن نعلم أن العلة فينا أصلا وأننا لا نستطيع أن نواجهها بشجاعة ونكتفي بالشجب والإدانة ورصد مساوئ الآخريين دون أن نغير من أنفسنا بينما تسير الأمور إلي الأسوأ.
إن أمورنا لن تنصلح أبدا ولن نرتقي إلي ما ننشده إلا إذا أصلحنا أنفسنا أولا وفوضنا أمرنا جميعا لله الواحد الأحد ، وسلمنا وجوهنا له وتوكلنا عليه وبذلك نقطع الطريق وننتصرعلي كل الأحزاب المنافقة التي تُلبس السياسة بالدين والدين منها براء. يكفي أن نكون مسلمين عاديين فقط ، وهذا أكثر ما يجمعنا، نتحابب في ربنا وفي بعضنا بكل قبائلنا وألواننا وألستنا ونعكس سلوكنا في حياتنا العامة وللنظر ماذا سيحدث.
إنني لأتطلع شخصيا أن يأتي اليوم الذي يُولي علينا بالحق وبالتراضي والتوافق خيارُنا ، من أي من قبائل الغرب ومن الشرق ومن النيل الأزرق وجبال النوبة ومن قبائل فلاته والهوسا ومن أرض المحس وحلفا، فهم أكثر من تضرر من دعاة العنصرية وهم أكثر إحساسا بهوياتهم ووطنهم وهم الممنوعون حتي اللحظة من تولي قيادة البلاد بسبب مرض العنصرية.
أخيرا ، وليس آخرا ،لابد أن أختم مقالي بهذه الآيات الكريمات من كتاب الله عز وجل.
" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60). سورة الزمر.
هذا والله أعلم وهو من وراء القصد.
الدمازين في : 16/12/2017
محمد عبد المجيد أمين (براق)

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 46


اعلانك هنا يعني الانتشار

تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى


محمد عبد المجيد أمين ( براق)
محمد عبد المجيد أمين ( براق)

تقييم
4.00/10 (1 صوت)