صحيفة صدى الاحداث السودانية


الأخبار
شئون ثقافية
وزارة الثقافة السودانية .. جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة
وزارة الثقافة السودانية .. جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة
وزارة الثقافة السودانية .. جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة

منذ 4 أسبوع 10:26
لؤي قور*أثار حفل إحياء الذكرى السنوية لرحيل شاعر الشعب “محجوب شريف”، والذي أقيم منتصف هذا العام بوزارة الثقافة بمدينة “ود مدني” حاضرة ولاية الجزيرة، أثار جدلاً كثيفاً حول رمزية وزارة الثقافة كمكان، وما إذا كانت تصلُح كمكان لإحياء ذكرى شاعر عاني ويلات السجون من ذات النظام الذي يتولى إدارة الثقافة في البلاد عبر وزارته، وانقسم الناس بين من يرون أن الوزارة هي ملكية عامة لشعب السودان، وعليه فلا غضاضة في أن يتم إحياء ذكرى رحيل الشاعر داخل مباني الوزارة، في مقابل أصوات تنادي بأن ينأى الناس بذكرى شاعر الشعب من تلك الفخاخ الأيدلوجية، وإقامة الحفل بعيداً عن “وزارتهم” ولو على الهواء الطلق.

ويُعيد مثل هذا الجدل الذي يُثار في المواقف المشابهة في كل وقت وحين، يعيد للأذهان التفكير في “تبعية” وزارة الثقافة في السودان، ومدى اقترابها أو ابتعادها عن السلطة القائمة، ومدى اقترابها وابتعادها كذلك عن المثقف السوداني، ورعايتها للثقافةباعتبارها انتاج “أهلي”، لا يُطلب من الدولة فيه سوى تقديم مظلة لرعاية هذا الانتاج، وتقديم المساعدات الممكنة للمبدعين.

وزارة الشؤون الإجتماعية:

الأمين العام لجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي الناقد مجذوب عيدروس ابتدر حديثه لـ”لتغيير الإلكترونية “عن وزارة الثقافة في السودان ودورها في رعاية الثقافة والفنون وعلاقتها بالمثقفين والمبدعين قائلاً أنه وإبان الحكومة الوطنية الأولى كانت شؤون الثقافة تتبع لوزارة الشئون الاجتماعية، وكان يتولاها الأستاذ “يحي الفضلي”، في الفترة من “1954” إلى “1958”، حيث تغير اسمها بعد مجئ حكومة نوفمبر إلى “وزارة الاستعلامات والعمل”، وتولاها اللواء “محمد طلعت فريد”، وهو من بنى المسرح القومي بأمدرمان ليصير مكان مخصص للحفلات الغنائية، كما أسس تلفزيون السودان في العام “1962”، وعمل بعض الإنجازات وكان يشرف على صحيفة “الثورة”، وهي أول صحيفة رسمية حكومية، فكان هناك عمل ملموس في وزارة الاستعلامات، وتطورت الإذاعة وبدأ البث التلفزيوني، فكان السودان هو ثالث دولة عربية تعرف البث التلفزيوني وقتها بعد العراق ومصر.

معهد الموسيقى والمسرح:

ويرى “مجذوب” أن من أميز الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الثقافة بعد ثورة أكتوبر “1964”، هو مولانا القاضي “عبد الرحمن النور”، في عهد حكومة السيد “الصادق المهدي” في العام “1966”، حيث أسس مجلة “الخرطوم” في ذلك الوقت، كمجلة ثقافية شهرية تعبر عن الثقافة السودانية، ثم جاء الوزير “عبد الماجد أبو حسبو”، واستمر لغاية العام “1969”، وهو من الذي أسس “لجنة التأليف والنشر”، وأوكل أمرها لعدد من كبار الأدباء أمثال الشاعر “محمد المهدي المجذوب”، و”عبد الله الطيب”، وغيرهم. وقامت اللجنة بطباعة ونشر عدد من الأعمال الهامة منها “نافذة القطار” لعبد الله الطيب و”نار المجاذيب” لمحمد المهدي مجذوب، وديوان “أمتي” لمحمد المكي ابراهيم، و”حدث في القرية”، وهو أول عمل ينشر لإبراهيم اسحق، و”آراء وخواطر” لمحمد عشري صديق، بالإضافة لعدد من الأعمال السودانية الكبيرة والمهمة.

ووضع أبو حسبو أيضاً – والحديث لمجذوب – أُسس قيام معهد الموسيقى والمسرح، وكان اسمه معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، ودعا عدد من المبدعين والفرق العربية لزيارة السودان، فجاءت زيارة الفنانة المصرية “أم كلثوم” في العام “1968”، ومن الأشياء المهمة أنه حول المسرح القومي لمكان لعرض المسرحيات، وشيد خشبة والمسرح ليصبح مسرح حقيقي، وفرغ له بعض المبدعين أمثال “الفكي عبد الرحمن”، و”بدر الدين هاشم”، و”مكي سنادة”، فصار المبدعين هم المسؤولين عن الثقافة، وهو تقليد استمر لسنوات.

مصلحة الثقافة:

وعن الحقبة المايوية قال “عيدروس” أن السلطة حاولت فرض رؤيتها الخاصة للثقافة والمسرح، وبزغ نجم “محمد عبد الحي”، الذي تولى “مصلحة الثقافة” بعد قرار الجامعة العربية في منتصف السبعينات بتقديم الثقافة على الإعلام في الوزارات العربية، وكان هناك التشكيلي “ابراهيم الصلحي”، الذي عُين كوكيل للوزارة، وللمفارقة تم اعتقاله وهو وكيل للوزارة عقب انقلاب حسن حسين، ليترك المنصب ويهاجر للخارج.

أنشأت مصلحة الثقافة برئاسة محمد عبد الحي مركزاً لثقافة الطفل كما أنشأت المجمعات الثقافية في مدن “الفاشر”، و”الدمازين”، وهي رؤية والتفاتة مبكرة للتنوع الثقافي في السودان، وتكونت المجمعات الثقافية وقتها من مكتبة ومسرح وصالة للفنون التشكيلية ومركز لثقافة الطفل، وأسس “عبد الحي” مسرح العرائس للأطفال، وقام بإحضار خبراء رومانيين دربوا السودانيين على العمل في مسرح العرائس، وأسس “إدارة النشر الثقافي”، فقامت بطباعة عدد من الكتب المهمة منها “نمو تحت قطرات الدم” وهو الكتاب الوحيد لسامي يوسف وكتاب “أقنعة القبيلة – دراسات في الشعر الأفريقي” لمحمد عبد الحي ورواية “مهرجان المدرسة القديمة” لابراهيم اسحق و”إيقاعات الزمن الجامح” الديوان الأول لعالم عباس، وغيرها، ولم تكن هناك حُمى ما عرف بالهامش والمركز وابراهيم اسحق وعالم عباس هم من دارفور وطبع ديوان شعر لفضيلي جماع من “المجلس القومي للآداب والفنون” وكانت هناك مجموعة من الأعمال وفي العامين التي تولى فيها محمد عبد الحي الوزارة “1975- 1977” عرف السودان مهرجانات الثقافة، التي ظهر من خلالها الفنان مصطفى سيد احمد، وعبد المنعم الخالدي، وعز الدين عبد الماجد، والامين عبد الغفار، وعثمان الأطرش، وكان يشارك فيها كل السودان، وصدرت فيها مجلة “الثقافة السودانية” التي كان عبد الحي رئيس تحريرها فيما كان سكرتير تحريرها هو الراحل “عبد الرحيم أبو ذكرى”.

وزارة الشؤون الداخلية:

وفي أواخر مايو أُلحقت مصلحة الثقافة بوزارة الشئون الداخلية، وتولاها “احمد عبد الرحمن محمد”، من جماعة الجبهة الإسلامية القومية، فتراجعت إصدارات الوزارة في هذه الحقبة، ولم تعد مجلتي الخرطوم والثقافة السودانية منتظمتين في صدورهما، فكانت فترة ركود إلى أن جاءت الديمقراطية. وفي ظل المناخ الديمقراطي تجاوبت الوزارة مع مناخ الحريات، فتولاها الاستاذ “عبدالله محمد احمد”، لكنه كان معادياً للثقافة وله مفاهيم متشددة ومعيقة للعمل الثقافي، حيث اعتبر الثماثيل الموجودة في المجلس القومي للثقافة والفنون لعلي عبد اللطيف وغيره هي عبارة عن أصنام!!

وفي فترة الديمقراطية أصبحت هناك مشاركات للمسرح السوداني في المهرجانات العربية، وكان هناك انفتاح على المشهد الثقافي العربي، وتأسس إتحاد الكتاب في العام “1986”، وكنا من المؤسسين، وكان رئيسه “جمال محمد احمد”، وسكرتيره العام الأستاذ “علي المك”. وفي فترة مايو كان هناك قسم للسينما في مصلحة الثقافة، وهذا القسم ساهم في انتاج عدد من الأفلام التي فازت في العديد من المهرجانات لمخرجين أمثال “ابراهيم شداد”، “الطيب مهدي”، “حسين شريف”، و”سامي الصاوي”، وكانت هناك بالطبع وحدة الانتاج السينمائي، التي تأسست في الأربعينات، ولها انتاج سينمائي توثيقي قيم، وهي ذاكرة سينمائية مهددة بالتلف والضياع نسبة لتخزينها بطريقة غير علمية في مباني الإذاعة السودانية، ويصل عددها للآلاف من الأشرطة.

مجزرة الصالح العام:

وعن الثقافة في عهد الإنقاذ يقول “عيدروس” أن الإنقاذ شأنها شأن الإنقلابات التي قامت في السودان حاولت فرض رؤيتها على الثقافة، فأغلقت الصحف، وقصرتها على صحيفتان ناطقتان بلسان النظام هما “السودان الحديث”، و”الإنقاذ الوطني”، وتم تشريد عشرات الكوادر وإحالتهم للصالح العام، وهم حوالي “ستين” من الكوادر المؤهلة والمدربة بما أضر كثيراً بالوزارة، فتلقفتهم المنظمات والدول خارج السودان، وأحد الذين تمت إحالتهم للصالح العام تم استقباله رسمياً مؤخراً كخبير أجنبي، ممثلاً لمنظمة دولية!! وهو عالم الفلكلور “اسماعيل الفحيل”.

وصار تمثيل السودان بالخارج حكراً الاتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين وهو تجمع لغير الفاعلين في الساحة الثقافية السودانية، تحت مظلة الخرطوم عاصمة الثقافة فهم يمثل “بالسودان” في الخارج، وفي لقاءاتنا مع عدد من المفكرين والأدباء العرب كثيرا ما ينتقدون تمثيل السودان بأسماء غير مؤهلة لتقديم صورة حقيقية عن الثقافة السودانية بشكل ملائم. على الرغم من أنه في الماضي كان السودان يُمثل بالخارج من قبل شعراء راسخين مثل “محمد الفيتوري”، “محي الدين فارس”، “مصطفى سند”، “سيف الدين الدسوقي”، بالإضافة لشعراء شباب أمثال “محمد نجيب محمد علي” و”يوسف الحبوب”، الذي ترجمت قصائده للاسبانية والفرنسية وكانت أسماء مشرفة نالت اشادات كبيرة من الشعراء والنقاد العرب، لكن بالطبع كان مناخ الحرية يسمح بذلك.



الصمت الثقافي:

وفي بداية التسعينات جاءت حقبة سماها المراقبون بفترة “الصمت الثقافي”، حيث تعرضت وزارة للثقافة لعملية إحلال وإبدال كبيرة بعد تشريد الكوادر للصالح العام، وخفت حتى صوت الروابط الثقافية الإقليمية بفعل القبضة الأمنية الخانقة، وانشغل الناس بأمر معاشهم نتيجة الضائقة الإقتصادية، لكن وإحقاقاً للحق اهتمت الدولة في ذلك الحين بالمجلات الثقافية مثل مجلة “الخرطوم”، و”مجلة الثقافة السودانية”، إبان تولي عبد الباسط سبدرات للوزارة حيث وقف إلى جانب إصدار المجلات ورعاية الانتاج المسرحي وهو من رد على الأصوات المنادية بإيقاف الصرف على الكتب والمجلات والمسرح قائلاً:”إذا أوقفنا الكتب والمجلات والمسرح فماذا يبقى من الوزارة؟ وما الداعي لوجودها؟”.

وهناك فترات في ظل النظام الحالي حدث فيها اهتمام بالثقافة على الرغم من المعوقات، ومن المعروف أن منظمات المجتمع المدني لها خبرة طويلة في التعامل مع القهر واشتراط التصديقات وعرقلة الفعاليات الثقافية لكن كثيراً من الناس أحجموا عن المشاركة في العمل الثقافي المفتوح، علماً بأن تعدد المنابر الثقافية والاعتراف بها هو من الواجبات. وقد انصف القضاء السوداني “اتحاد الكتاب السودانيين” مؤخراً في صراعه القانوني الطويل مع السلطة. وغني عن القول أن هناك توتر كبير في العلاقة بين المثقف والسلطة في السودان لكن يجب تغيير الذهنية التي تتعامل به السلطة مع الثقافة فقط لأن الثقافة تبقى بأكثر مما تبقى الأنظمة، وتاريخياً تسعى أي سلطة لفرض ثقافتها، لكن السلطة الذكية هي التي تعمل لذلك بمبدأ “دع الأزهار تتفتح”، وحُكم التاريخ واضح في أن القمع والديكتاتورية فيما يتعلق بالثقافة هي أساليب غير مجدية، خاصة في الوقت الحالي، وخير مثال هو “منع الكُتب” الذي لا يؤدي إلا لزيادة شهرتها ونسبة تداولها، فيجب أن تكون وزارة الثقافة مظلة للجميع، والحكم هو احترام التنوع الثقافي، واتاحة الفرصة للناس بمختلف مشاربهم. ومن المعلوم للجميع أن سيادة الثقافة الأحادية هو ما أدى لفصل الجنوب، فلا بد أن يحس المواطن أن الأجهزة الإعلامية في وطنه تعبر عنه بشكل كامل وغير منقوص.

*نقلا عن صحيفة التغيير الالكترونية

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 125


تعليقات الفيس بوك

خدمات المحتوى


اعلانك هنا يعني الانتشار

تقييم
0.00/10 (0 صوت)